عراق كوير
  • الصفحة الرئيسية

إعادة تعريف معنى المجتمع وكيف تتشكل المناصرة

6/11/2026

0 Comments

 
Picture
“أكره الاعتراف بذلك، لكن الأمر يحتاج فعلًا إلى قرية بأكملها. فالهُوية الكويرية في عالم يسعى إلى سحقها تحتاج إلى ما يسندها. تحتاج إلى مجتمع من الأشخاص المتحمسين، ومكان يمكن فيه إسقاط الأقنعة والتخفف من ضغط التوقعات. إن هذا المزيج الغني من الأفراد الذين يعيشون ويحبون ويضحكون بلا خجل يثبت أن مجرد وجودنا هو شكل من أشكال المقاومة، ولذلك يجدر بنا أن نحتفي به بكل فخر.” – أحد أفراد مجتمعنا.

على مدى فترة من الزمن، اعتمد الناشطون في كردستان الجنوبية والعراق في جهودهم لبناء المجتمع والمناصرة على نموذج المنظمات غير الحكومية (NGOs). فنقوم بإنشاء منظمات، وطرح حملات ومشاريع واسعة النطاق، والحصول على التمويل، ثم تنفيذها. وقد أسهم هذا النموذج في إطلاق بعض أبرز الحملات في المنطقة خلال العقد الماضي. ومع ذلك، توجد عدة مشكلات.

عندما تعتمد النشاطات الحقوقية والمناصرة على التمويل، فإنها تتوقف عند نفاد الأموال. فإذا فهمنا النشاط الحقوقي على أنه مجرد حملات توعية واسعة النطاق، وورش عمل، واجتماعات إقليمية، فإننا سنحتاج إلى تدفق مستمر من التمويل لإبقائه قائمًا. وهذا التدفق المستمر يعتمد على تحويل النشاط الحقوقي إلى عمل مؤسسي، والتصرف كمنظمة غير حكومية، والسعي لإرضاء الممولين الغربيين.

فالتمويل بطبيعته إقصائي. لم يكن يومًا موزعًا بشكل متساوٍ أو عادل، وغالبًا ما تمنع العوائق الهيكلية وصوله إلى من هم بأمسّ الحاجة إليه. فالوصول إليه يعتمد على اللغة، والوقت، والعلاقات، والخبرة التقنية، وهي موارد لا تمتلكها الكثير من الحركات الشعبية القاعدية. ونتيجة لذلك، تمنح أنظمة التمويل الأفضلية لمن يمتلكون أصلًا القدرة على التعامل معها، مما يعيد إنتاج ديناميكيات القوة الاستعمارية ذاتها التي تدّعي هذه الأنظمة أنها تسعى لمواجهتها.

فهم ينقلون إلينا أعباء عملهم، وينسبون الإنجازات لأنفسهم، ويتجنبون تحمل أي مسؤولية عن سلامتنا أو رفاهنا. أما نحن، فنخاطر بحياتنا للقيام بعملهم بأجور تقل عن الحد الأدنى، ثم نتعرض للتدقيق في كل قرش ننفقه.

وبما أن الحكومة منعت المنظمات الكويرية والنسوية من التسجيل الرسمي، فقد عانت الحركة الكويرية بشكل أكبر. فالممولون لا يدعمون الكيانات التي يعتبرونها “غير رسمية”. إن معيار الشرعية بالنسبة لهم هو موافقة الدولة، وهم غير مستعدين لاستثناء أي جهة حتى عندما تكون الدولة نفسها معادية بشكل صريح لحقوق الإنسان.

وحتى عندما نلتزم بالقواعد ونستخدم الخطاب المطلوب، يبقى التمويل غير مستدام. فقد يتوقف بسبب تشديد القوانين داخل البلاد، أو بسبب حملات التضييق على المنظمات العاملة مع النساء والأشخاص الكويريين، أو نتيجة تغير الأولويات الجيوسياسية.

لقد عانى الناشطون الكويريون في كردستان الجنوبية من تبعات هذا الاعتماد على الممولين في السابق. فتوقفت أعمالنا، وكان الأكثر هشاشة بيننا هم الأكثر تضررًا. ومع ذلك، ولحسن الحظ، وجدنا طريقًا آخر للمضي قدمًا.

خلال السنوات القليلة الماضية، اتجه المجتمع نحو تبني نموذج آخر للمناصرة يعتمد بدرجة أكبر على العلاقات الإنسانية المباشرة ويُبنى على الثقة. وعلى خطى حركات شعبية مماثلة عبر الحدود، تبنينا مفهوم القيادة الجماعية لإتاحة المجال أمام الجميع للتعبير عن آرائهم وسماع أصواتهم.

كانت هذه هي روايتنا كمجتمع، وما زلنا نفخر بها حتى اليوم. إلا أن تطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع لم يكن سهلًا، فقد كان هناك شيء مفقود.

إن القيادة غير الهرمية تتطلب وجود فهم مشترك داخل المجتمع لسبب ابتعادنا عن الهرمية أساسًا. وبعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى وعي اجتماعي وطبقي داخل المجتمع.

فحتى عندما بدأنا نقول إننا لسنا هرميين، لم نتوقف عن التصرف وكأننا كذلك. غيّرنا أسماء جميع أجزاء هيكلنا التنظيمي، لكننا ما زلنا ننظر إلى بعض الأشخاص كمستفيدين وإلى آخرين كقادة. كان بعضنا مسؤولًا عن الآخرين، لكنهم لم يكونوا مسؤولين عنا. كان هناك من يتقاضى أجرًا مقابل حضوره، وآخرون يدفعون ذلك الأجر. لقد فشلنا في إدراك أن تغيير الأسماء لم يغيّر البنية نفسها.

أعتقد أنني شعرت لسنوات بأن مجتمعنا المحلي متماسك بفعل الاعتماد المتبادل. فنحن نبقى معًا لأننا نحتاج إلى بعضنا البعض من أجل البقاء. لقد أصبح المجتمع امتيازًا، ودرعًا، وشكلًا من أشكال الحماية التي تحافظ عليها مقابل تحملك لأفراد المجتمع الآخرين.

وذلك لأن الأشخاص الذين يرتادون المساحات المجتمعية بشكل مستمر هم من يحصلون في نهاية المطاف على الأولوية عند الحاجة إلى خدمات منقذة للحياة، أو فرص عمل، أو مساعدات مالية. وهذا بحد ذاته يخلق ديناميكية قوة غير متكافئة وتسلسلًا هرميًا.

تأسست مجموعة Hem، وهي مجموعة تعمل من أجل تحرير الكويريين في كردستان الجنوبية، انطلاقًا من الرغبة في العمل بشكل أقرب مع المجتمع الأوسع وتعزيز علاقات التضامن بعد بعض الخلافات التي حدثت سابقًا.

لكن أثناء دراسة المشكلات داخل المجتمع، اكتشفنا بسرعة وجود فجوة كبيرة في المشاريع التي تتعلق تحديدًا بالنساء الكويريات، فقررنا تغيير مسار عملنا.

إن معاناة النساء الكويريات تتضاعف بسبب استمرار النظام الأبوي حتى داخل المجتمع الكويري نفسه. فعندما نستمر في تصميم فعاليات تتطلب التنقل بين المدن، أو المبيت خارج المنزل، أو قدرًا عاليًا من السرية، فمن الطبيعي ألا تتمكن الكثير من النساء من المشاركة.

وحتى مع توفير الدعم المالي، فإن معظم النساء في منطقتنا لا يمتلكن سلطة كاملة على حياتهن بسبب الأعراف الأبوية. وبمعنى آخر، فإن عائلاتهن هي التي تقرر أين يمكن لهن الذهاب وأين لا يمكن.

وأنا أعلم أن أصدقاء النضال الذين خططوا لتلك الفعاليات لم يقصدوا استبعاد النساء، وربما لم يدركوا أصلًا أنهم فعلوا ذلك. لكن المشكلة كانت أن الأمر لم يخطر ببالنا من الأساس. فالمشكلة أن النساء يظللن فكرة لاحقة ضمن أنظمة لم تُصمم لأجلهن ولا بواسطة النساء.

بعد إدراكنا لذلك، استثمرنا ما تبقى لدينا من أموال في تنظيم فعاليتين مخصصتين للنساء الكويريات للالتقاء والتعارف وقضاء الوقت معًا. ورأينا أنه من الأفضل الابتعاد عن الأنشطة التي تتطلب جهدًا ذهنيًا أو جسديًا من المشاركات، مثل ورش العمل أو النقاشات أو الأنشطة السياسية والتعليمية، وأن نتيح لهن ببساطة مساحة للوجود دون أي توقعات.

كانت الفعاليتان تتمحوران حول الفن؛ اشترينا لوحات وألوانًا وقضينا عدة ساعات في الرسم معًا. في المحاولة الأولى حضر شخصان فقط، وفي الثانية حضر عشرة أشخاص. وكان ذلك قبل عام تقريبًا.

ومنذ ذلك الحين تضاعف حجم المجموعة. نظمنا ست فعاليات أخرى خلال الصيف، وعندما نظمنا لاحقًا فعالية للمجتمع الأوسع، كان عدد النساء المشاركات ضعف عددهن في الفعالية الأولى.

وما زالت هذه المجموعة تنمو، ولا تدّعي مجموعة Hem ملكيتها. نحن لا نقودها ولا نديرها، بل نشارك فيها كأفراد من المجتمع.

أعتقد أن أهم حديث دار حول هذه المجموعة كان مع إحدى الرفيقات في Hem عندما قالت:

“جيراننا يجلبون لنا الطعام عندما تمرض أمي، هذا هو معنى المجتمع.”

ففي المجتمع لا توجد بدلات يومية أو عقود أو إيصالات أو قوائم حضور. ولا يكفي أن نتخلص من هذا الهيكل التنظيمي فحسب، بل الأهم أن نتخلص من الأدوار التي نتخيل أننا نؤديها داخله.

إن استدامة المجتمع تتطلب علاقات مبنية على الثقة والرعاية والمسؤولية المتبادلة بين أفراده. وعندما يرى الشخص نفسه أعلى شأنًا من الآخرين أو مسؤولًا عنهم، فإنه يتحول من عضو في المجتمع إلى دور خارجه. عليك أن تعيش في القرية كأحد سكانها فحسب.

إن وجودي ضمن هذه المجموعة يمنحني شعورًا عظيمًا بالفخر والسعادة. لقد تحدى هؤلاء الأشخاص مرارًا مفاهيمي عن المجتمع والمناصرة وحتى الكويرية نفسها.

مررنا بخلافات عديدة، بعضها حُلّ وبعضها ما زال قائمًا. أخطأنا في إدارة أمور كثيرة، وارتكبنا أخطاء، بل وأذى بعضنا بعضًا أحيانًا. ومع ذلك، ما زال الحب موجودًا، وهذا يمنحني الثقة بأننا سنتعلم كيف نصبح أفضل.

لقد وجدنا أنفسنا جميعًا، دون قصد، في دور “الناشط” لأن هوياتنا الكويرية مُسيّسة بطبيعتها. فإذا كانت الكويرية تُعتبر سببًا كافيًا لمعاقبتنا وإيذائنا من قبل الدولة الأبوية، فإن فرحنا وحبنا ومجتمعنا يصبح فعلًا سياسيًا جذريًا في مواجهة الدولة، بل وربما أعظم أشكال المناصرة على الإطلاق.

فعندما يجتمع الأشخاص الكويريون كأفراد في مجتمع واحد، فإنهم يخلقون شيئًا لا يمكن بسهولة تفكيكه بسبب دورات التمويل أو القيود السياسية.

وفي سياقنا، حيث تحاول الدولة والمجتمع معًا عزل الحياة الكويرية وتهميشها، يصبح بناء المجتمع والحفاظ عليه بحد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة.

وأعتقد أن روايتنا المشتركة الحقيقية، داخل الحركة الكويرية في كردستان الجنوبية ككل، هي رواية الصمود.

فعندما تداهم الشرطة مكاتبنا، نتعلم كيف نعمل دون مكاتب. وعندما تشدد الحكومة قبضتها، نجد ثغرات قانونية. وعندما يدير الممولون ظهورهم لنا، نتجه نحو بعضنا البعض.

وإذا لم نملك شيئًا آخر، فإننا نملك هذا: صمودنا.

0 Comments

أردشير نوزاد – قوة أن تكون نفسك ببساطة

6/11/2026

0 Comments

 
Picture
في منظمة عراق كوير، نحب الاحتفاء بالأصوات المشرقة والقوية داخل مجتمعنا. واليوم، يشرفنا أن نقدم لكم أردشير نوزاد


في السادسة والعشرين من عمره، يُعد أردشير شخصًا متعدد الجوانب. وُلد في بغداد لعائلة كردية وطنية، ويحمل شهادة في الهندسة الكيميائية، ويواصل حاليًا دراسة الماجستير في القانون الدولي. لكن بعيدًا عن إنجازاته الأكاديمية، فإن رحلة أردشير هي قصة عميقة من اكتشاف الذات والصمود

العثور على انعكاسٍ للذات

أدرك أردشير منذ سن مبكرة أنه مختلف. وكحال الكثيرين منا، وجد أول “مرآة” له في الثقافة الشعبية.  أثناء مشاهدته لمسلسل   
 - Buffy the Vampire Slayer -
، وجد نفسه منجذبًا بشكل لا يمكن تفسيره إلى شخصية أنجل (وبصراحة، من يستطيع أن يلومه؟ فقد كان أنجل التجسيد الكامل للشخصية الكئيبة والمنعزلة). وعلى الرغم من أنه لم يكن يمتلك الكلمات لوصف ذلك الشعور آنذاك، إلا أنه تقبّله كما هو.



وعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، تحول ذلك الشعور إلى إدراك واضح: لقد كان مثليّ الجنس. كانت تلك فترة مليئة بالوحدة؛ إذ كان يشعر غالبًا بأنه غريب عن محيطه عندما كان زملاؤه في المدرسة يتحدثون عن الفتيات، لأنه لم يكن يشاركهم المشاعر ذاتها. وجاءت أول تجربة له مع الإحساس بالانتماء من خلال العالم الرقمي، عبر مجموعة دردشة على تطبيق Kik ضمت 30 مراهقًا ومراهقة من مجتمع الميم من مختلف أنحاء العالم. ولأول مرة، لم يعد وحيدًا.

طقس العبور

بدأت رحلة إفصاح أردشير عن هويته مع إحدى أفراد المجتمع، وهي صديقة مثلية. وكما يقول الكثيرون في مجتمعنا، فإن الإفصاح لصديقة مثلية يُعد فعلًا “طقس عبور” حقيقيًا. وقد منحته هذه التجربة الإيجابية الشجاعة ليخبر صديقة أخرى من المدرسة. وكان ردها: “كنت أعرف ذلك بالفعل.” هذا القبول البسيط منحه الثقة ليبدأ في العيش بصدق أكبر مع من حوله.

من لقاءٍ إلى نشاطٍ حقوقي

كانت نقطة التحول الحقيقية في حياة أردشير هي مشاركته في لقاء صُمم لتمكين الأشخاص الكويريين في كردستان. وقبل هذا الحدث، كانت تفاعلاته مع الأشخاص الكويريين الآخرين تقتصر إلى حد كبير على تطبيقات المواعدة.

في ذلك اللقاء، تغير كل شيء. فقد التقى بنساء مثليات وأشخاص عابرين/ات جندريًا في سياق داعم وأفلاطوني بالكامل. وكان ذلك بمثابة لحظة إدراك عميقة بالنسبة له: لم يكن بحاجة إلى إجبار نفسه على الانسجام مع القوالب الاجتماعية المغايرة لكي يشعر بالانتماء.


يقول أردشير:
“لقد تعرفت على أفضل الأشخاص في حياتي من خلال التجارب الصعبة. فقد كانت التحديات الشخصية التي واجهتها هي ما قادني إلى لقاء أشخاص رائعين بهذا الشكل.”

وبإلهام من المجتمع الذي وجده، انتقل أردشير من مجرد مشارك إلى قائد. بدأ رحلته في النشاط الحقوقي مع عراق كوير، حيث شارك في تدريبات المناصرة، والمختبر السويدي، ومختبر الاحتجاج، وبرنامج قوسنا. وقد منحتْه هذه التجارب تصورًا واضحًا لما يجب أن تكون عليه المساحة الكويرية الآمنة. واليوم، حوّل هو وشريكه منزلهما إلى ملاذ صغير لكنه حيوي لأصدقائهما، مكان يستطيعون فيه ببساطة أن يكونوا أنفسهم دون خوف.

العيش بشجاعة


كان المسار المهني لأردشير بدوره مليئًا بالتحولات. فقد كانت أول تجربة عمل “كويرية” له من خلال التطوع مع عراق كوير عام 2017. وبعد أن اضطر للتعامل مع بيئة تتسم برهاب المثلية وكراهية النساء في إحدى المؤسسات التي عمل بها سابقًا، استخدم الثقة التي اكتسبها من خلال نشاطه الحقوقي للبحث عن بيئة عمل أكثر شمولًا.

وفي مكان عمله الحالي، اتخذ خطوة شجاعة بالإفصاح عن هويته أمام زملائه. وللمرة الأولى، شعر بالتحرر الحقيقي، ولم يعد منهكًا من عبء إخفاء هويته الحقيقية

حلم للمستقبل

عندما سُئل عن حلمه لمجتمعنا، كانت إجابته بسيطة لكنها عميقة:

“أريد فقط أن يتمكن المجتمع من أن يتنفس.”

فبسبب تسييس الهويات الكويرية بشكل متكرر، يعيش الكثير من أفراد المجتمع في حالة دائمة من التأهب والقلق. ويحلم أردشير بيوم لا يعود فيه كون الشخص كويريًا سببًا لاستهدافه، يوم يصبح فيه السلام هو الوضع الطبيعي.

أما كلماته لكم فهي:

“يرجى الاعتناء ببعضكم البعض. فالمناصرة والنشاط الحقوقي قد يكونان مرهقين للأعصاب، لكن ليس من الضروري دائمًا أن تكونوا في الصفوف الأمامية. يمكنكم أن تكونوا ناشطين بمجرد أن تكونوا أنفسكم.”

اليوم، يعيش أردشير حياة مزدهرة. فهو مخطوب ويعيش علاقة صحية وسعيدة، ويُعد أحد أبرز النشطاء في كردستان والعراق. ونحن فخورون جدا بأن يكون واحداً منا
0 Comments

الكوير العراقيون واللجوء

5/20/2026

0 Comments

 
Picture
بالنسبة للعديد من الكوير العراقيين، اللجوء ليس قرارًا يُتخذ بدافع الرغبة في الهجرة أو تحسين مستوى المعيشة، بل نتيجة مباشرة للخوف وانعدام الأمان. التهديد بالعنف، الاضطهاد الأسري، الابتزاز، والملاحقة الاجتماعية والقانونية تجعل البقاء في العراق مستحيلًا في كثير من الحالات. ومع ذلك، فإن مغادرة العراق لا تعني الوصول إلى الأمان، بل غالبًا بداية مرحلة أخرى من المعاناة.
ضعف جواز السفر العراقي يشكّل عائقًا أساسيًا أمام الوصول إلى دول توفر أنظمة لجوء واضحة أو حماية قانونية فعلية. أغلب الدول الآمنة تتطلب تأشيرات يصعب الحصول عليها، أو شروطًا مالية ووثائقية لا يمكن للكثيرين توفيرها. لهذا السبب، يجد معظم الكوير العراقيين أنفسهم مضطرين إلى التوجه نحو دول مجاورة، باعتبارها الخيار الوحيد الممكن، رغم معرفتهم المسبقة بأنها ليست نهاية الطريق.
تقول زينب مالك، وهي لاجئة عراقية كويرية من عائلة ذات خلفية دينية: "في الخطوة الاولى التي خطوتها على أرض بيروت شعرت بأنني أقف وحيدة في عالم لا أُعلم فيه كيفية حماية نفسي 
عند تواصلي مع منظمة لمساعدتي في العثور على مكان آمن ، تم دلي على شخص من مجتمع العين ميم وثقت بانه سيتم مساعدتي من موضع عطف وانتماء لكوننا نواجه نفس التحديات لكن باماكن مختلفة لأفاجئ باستغلالي وتخويفي من قبل افراد مجتمعي نفسهم لأجل بعض عشرات الدولارات التي انا بأمس الحاجة اليها
كذلك تواصلت مع منظمات للدعم النفسي شريكة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين 
شرحت لهم وضعي بالتفصيل ، الخوف والخطر الذي يهدد حياتي  من اكتشاف عائلتي لمكاني  ، اعراض امراضي النفسية التي لم استطع معالجتها في بيئتي السابقة ليتم اخباري بكل بساطة بانهم يستقبلون ويعالجون حالات محددة ، لم أفهم ماهي الحالات المحددة ؟ شعرت بان معاناتي لم تكن كافية ليتم اخذها بجدية !"
دول مجاورة… ومساحة قانونية رمادية
الوصول إلى دولة مجاورة لا يعني الدخول في نظام لجوء وطني يحمي اللاجئين، بل غالبًا التواجد في وضع قانوني مؤقت وغير مستقر. بعد الدخول، يبدأ الكوير العراقيون بالتقديم على اللجوء عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وهي عملية قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى أي نتيجة ملموسة.
تقول هَڤِن، وهي ترانس كوير غير ثنائية عراقية، وطالبة لجوء في دولة انتظار : "هربت من العراق بسبب الخطر على الناس العابرين والكوير، وبسبب خوفي من عائلتي إذا اكتشفوا حقيقتي.
حاليًا أنا بدون إقامة قانونية. لا استطيع العمل بشكل رسمي، وحتى العمل غير الرسمي صعب جدًا ان احصل عليه بسبب شكلي الكويري. لا توجد أي حماية حقيقية استطيع ان أعتمد عليها، ولا حياة مستقرة. أعيش فقط على تبرعات الأصدقاء والمساعدة بعض المنظمات.
كل يوم أفكر متى تقوم الامم المتحدة بتحريك اجراءات ملفي؟ متى استططع ان اعيش في دول توفر لي الحماية والحقوق والتقبل؟ وضعي النفسي يتجه نحو الاسوء مع مرور الوقت، والانتظار اصبح صعبا جدا.
كل ما اريده هو قبول ملفي وإعادة توطيني في دولة آمنة. أريد ان أعيش بكرامة وأمان بدل الخوف الدائم، الخوف من أن عائلتي قد تصل لي بأي لحظة، أو أني يتم ترحيلي للعراق. وخوفي هذا واقعي وحقيقي. والدتي تواصلت معي عن طريق البريد الالكتروني وأكدت لي إن العائلة تبرأت مني، وإنه اخواني إذا وجدوني سيقتلوني.
اعيش حاليا في بلد ليس آمن إلي كترانس كويرية. هناك احتجاجات ضد مجتمع الميم عين، قوانين دينية صارمة، وشرطة تلاحق أي شكوك حول اي تجمعات كويرية وتحاول سجنهم"
خلال هذه الفترة، يعيش الكثيرون في مساحة قانونية رمادية. لا هم قادرون على العودة إلى العراق بسبب الخطر الحقيقي عليهم، ولا هم قادرون على الاستقرار في بلد اللجوء المؤقت. الإقامة تكون محدودة أو منعدمة، وتجديدها صعب أو مكلف، وأي خطأ إداري قد يؤدي إلى الاحتجاز أو الترحيل.
تقول اليكس وهي نون باينري عراقية لاجئة في لبنان " اعتقدت بان الوضع سيكون افضل ولو قليلا في لبنان ولكن الواقع كان مختلف عما توقعت، فالناس ينظرون لنا بنفس النظرات، ويقولون لنا نفس الكلام في الشارع، حتى في افضل مناطق لبنان واكثرهن امانا، فحتى مالك الشقة التي نسكن فيها نحاول تجنب اللقاء به لكي لا يرانا، والذي قد يعرضنا للطرد او الاستغلال بسبب مظهرنا"
الحياة بدون حماية قانونية
غياب الوضع القانوني الواضح يعني غياب الحماية. الكوير العراقيون في دول العبور غالبًا لا يملكون حق العمل الرسمي، ما يدفعهم إلى الاعتماد على أعمال غير مستقرة أو غير رسمية، أو على مساعدات محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. هذا الوضع يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال، سواء في العمل أو السكن أو حتى في الوصول إلى الخدمات الصحية.
إضافة إلى ذلك، لا توفّر هذه الدول غالبًا آليات فعالة للحماية من العنف أو التمييز، خصوصًا عندما تكون الهوية الجندرية أو التوجه الجنسي سببًا مباشرًا للاستهداف. كثيرون يتجنبون التبليغ عن الانتهاكات خوفًا من العواقب القانونية أو من الكشف عن هويتهم
يقول هايدن، وهو كوير عراقي لاجئ في لبنان " بسبب وضعنا القانون الهش الكل يحاول استغلالنا حتى المنظمات التي تساعد اللاجئين او افراد مجتمع الميم عين، او يحاولون النصب علينا واخذ اموالنا خصوصا ونحن لا نعرف اي شيء في هذا البلد الجديد، عند وصولي الى لبنان في الايام الاولى تم اخذ 100$ مني بحجة مساعدتي في الوقت الذي لم احصل فيه على شيء، وكنت ارى هذا بشكل مستمر فالغالبية يحاولون الحصول على شيء منا او استغلالنا"
عبء الانتظار الطويل
الانتظار هو السمة الأبرز في تجربة اللجوء الكويري العراقي. انتظار المقابلة الأولى، انتظار القرار، انتظار أي تحديث على الملف. هذا الانتظار لا يكون محايدًا، بل محمّلًا بالقلق وعدم اليقين. الحياة تتوقف مؤقتًا، والخطط المستقبلية تصبح مستحيلة، وكل شيء مرتبط بقرار قد يأتي أو لا يأتي.
الضغط النفسي خلال هذه المرحلة شديد. العزلة الاجتماعية، الشعور بعدم الاستقرار، والخوف المستمر من المستقبل تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية. بالنسبة للكثيرين، تكون هذه المرحلة الأصعب، لأنها تجمع بين الهروب من خطر حقيقي وعدم الوصول بعد إلى مكان آمن.
إخفاء الهوية مرة أخرى
المفارقة المؤلمة أن العديد من الكوير العراقيين يُجبرون على إخفاء هويتهم مجددًا في دول العبور. فالإفصاح عن التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية قد يؤدي إلى مضايقات، عنف، أو مشاكل قانونية. الهروب من القمع لا يعني بالضرورة التحرر منه، بل أحيانًا إعادة إنتاجه بشكل مختلف.
نهاية غير قريبة
إعادة التوطين في بلد آمن تبقى المرحلة الأخيرة والأكثر انتظارًا، لكنها ليست مسارًا سريعًا أو مضمونًا. تتطلب إجراءات طويلة، مقابلات متعددة، وتدقيقًا مستمرًا. البعض ينتظر سنوات قبل الوصول إلى هذه المرحلة، والبعض الآخر قد لا يصل إليها أبدًا.
بالنسبة للكوير العراقيين، اللجوء ليس رحلة من مكان إلى آخر، بل مسار طويل من التعلّق المؤقت، العيش في المجهول، ومحاولة الاستمرار رغم هشاشة الظروف. هو واقع يعيشه آلاف الأشخاص بصمت، خارج العناوين، في دول لا تُعتبر وطنًا ولا ملاذًا نهائيا

0 Comments

ان تكونوا غير ثنائيين جندريا في العراق: هوية تحت الحصار

4/17/2025

2 Comments

 
Picture
​في مجتمع ما يزال يتعامل مع الجندر باعتباره ثنائية مغلقة: "رجل" أو "امرأة"، يصبح الوجود خارج هذه المنظومة بمثابة فعل تمرد غير مُعلن. الأشخاص غير الثنائيين جندريًا — وهم أولئك الذين لا تنحصر هويتهم الجندرية ضمن التصنيفين التقليديين — يعيشون في العراق بين عالمين، دون اعتراف قانوني، ولا حماية اجتماعية، ولا تمثيل حقيقي في الخطاب العام.
بالنسبة للكثير من الأشخاص غير الثنائيين، لا تبدأ معاناتهم في الفضاء العام، بل في المساحات الخاصة. العائلة — التي من المفترض أن تكون مصدر الأمان — قد تصبح مصدر الضغط الأول، إذ يُتوقّع من الفرد أن "يؤدي" جندره وفقًا لمعايير صارمة تبدأ باللباس، وتمتد إلى طريقة الكلام، الأصدقاء، الطموحات، وحتى الحلم بالمستقبل. من لا يلتزم بهذه المعايير، يُقابل بالتوبيخ، أو العنف، أو التهديد بالنبذ، أو محاولات "تصحيح" الهوية عبر الدين أو الطب أو القوة.
كما ان المؤسسات العراقية، سواء كانت تعليمية، طبية، قانونية، أو دينية، تتعامل مع الجندر على أساس بيولوجي وثنائي. لا توجد خيارات رسمية تعترف بالهويات غير الثنائية، ما يخلق فجوة قانونية وإنسانية تضع الأشخاص غير الثنائيين في مواقف هشّة. الوثائق الرسمية لا تعكس هويتهم، وقد يضطرون للكذب بشأن أنفسهم كي يحصلوا على خدمات أساسية مثل التعليم، الرعاية الصحية، أو حتى التوظيف. في بعض الحالات، يؤدي هذا الانفصال بين الهوية الذاتية والهوية القانونية إلى أزمات نفسية حادة، لا سيما في ظل غياب دعم مجتمعي أو متخصصين قادرين على تقديم مساعدة حساسة لجندرهم.
وتُشير شهادات عديدة إلى تعرّض الأشخاص غير الثنائيين للعنف اللفظي والجسدي، سواء في الشارع أو في المؤسسات أو حتى على أيدي أفراد العائلة. وفي ظل غياب الاعتراف القانوني، نادرًا ما يُحاسَب المعتدون. بل إن الإبلاغ عن العنف قد يتحوّل إلى تجربة أكثر عنفًا، حيث يُساء التعامل مع الضحية، ويُعاد انتهاكها نفسيًا أو جسديًا من قِبل السلطات نفسها. هذا الصمت القسري يخلق شعورًا بالانعزال، ويعمّق من حالة الخوف وانعدام الأمان.
فحتى داخل بعض الدوائر النسوية أو الحقوقية في العراق، يُنظر أحيانًا إلى غير الثنائيين باعتبارهم "مشتتين" أو "غامضين"، ويُطلب منهم توضيح أنفسهم مرارًا وتكرارًا، وكأن حقهم في الوجود مرتبط بمدى قدرتهم على شرح أنفسهم ضمن خطاب مهيمن لا يعترف إلا بالثنائيات. في حين أن الهوية الجندرية يجب أن تُؤخذ كما هي: حقيقة شخصية لا تحتاج إلى تبرير.
ورغم كل هذا، لا يمكن الحديث عن الأشخاص غير الثنائيين فقط من موقع "الضحية". فهم أيضًا أصوات تُعيد تشكيل الخطاب الجندري والثقافي، وتُسائل الثوابت، وتفتح أفقًا جديدًا للتفكير في معنى الحرية والذات. كثيرون منهم يعبّرون عن أنفسهم من خلال الفن، الشعر، الموسيقى، أو حتى عبر منصات التواصل الاجتماعي، رغم القيود والخطر. في هذه المساحات، تنبض المقاومة، ويتحوّل الجسد إلى ساحة للنضال، والصوت إلى وسيلة للبقاء، والوجود ذاته إلى فعل مقاوم.
وفي النهاية فإن دعم الأشخاص غير الثنائيين لا يجب أن يقتصر على التضامن الرمزي، بل يتطلب مراجعة عميقة للبنية الاجتماعية والقانونية والثقافية التي تقمع كل ما لا يُطابق معاييرها. التضامن الحقيقي يبدأ بالاستماع، والتثقيف الذاتي، واستخدام اللغة الشاملة، والدفاع عن حق الآخرين في أن يكونوا ذواتهم، دون خوف أو خجل أو اضطرار للتفسير.
أن تكون غير ثنائي/ة في العراق هو تحدٍ كبير — لكنه أيضًا شهادة حية على قوة الإنسان في مقاومة محاولات المسح والإنكار. هؤلاء الأشخاص موجودون، حقيقيون، ويستحقون الاعتراف، الحماية، والمساحة.
2 Comments

الزواج القسري لافراد مجتمع الميم عين في العراق

3/26/2025

0 Comments

 
Picture
في المجتمعات التقليدية، مثل المجتمع العراقي، يُعتبر الزواج من أهم الطقوس الاجتماعية التي تضمن استمرارية النسل وتقوية الروابط الأسرية والمجتمعية. يحدد هذا المفهوم الجندري للأفراد، حيث يُتوقع من الرجل والمرأة أن يتزوجا من شخص آخر من الجنس المختلف ليشكلوا أسرة نموذجية. لكن هل هذا المفهوم التقليدي من الزواج ينسجم مع الواقع المتنوع للجندر، خاصة في ظل وجود مجتمع الميم عين؟ كيف يمكن أن يعكس الزواج العراقي التقليدي ظلمًا كبيرًا لأولئك الذين لا يتماهون مع هذه الأطر التقليدية؟ وهل يمكن أن يحدث تغيير في هذه المنظومة لتخفيف الضغط الاجتماعي الذي يفرضه الزواج التقليدي على الأفراد؟ هذا ما سنتناوله في هذا المقال.
الزواج التقليدي: قيود اجتماعية جائرة على مجتمع الميم عين
في العراق، كما في العديد من البلدان ذات الثقافة التقليدية، يُعتبر الزواج بين رجل وامرأة هو النموذج السائد والمقبول اجتماعيًا ودينيًا. يُشدد على أن الزواج هو تكامل بين الجنسين وفقًا لأدوار اجتماعية محددة، حيث يتعين على الرجل أن يكون "الرب العائلة" بينما يُتوقع من المرأة أن تُؤدي دور الزوجة والأم. في هذا السياق، يُجبر أفراد مجتمع الميم عين، الذين لا يتماهون مع هذا التصور التقليدي للجنسين، على الزواج من شخص مغاير جندريًا رغم عدم تناسبهم مع هذا الدور الاجتماعي.
هذه المنظومة تضع ضغطًا هائلًا على أفراد المجتمع الذين ينتمون إلى مجتمع الميم عين، حيث يُفرض عليهم تكوين علاقة يتطلب فيها الزواج التقليدي التوافق مع هوياتهم الجندرية غير المتوافقة مع تلك المعايير المجتمعية. وهذا يؤدي إلى معاناة نفسية وعاطفية شديدة، حيث يضطر الأفراد إلى العيش في علاقة لا تعكس هويتهم الجندرية الحقيقية، مما يسبب في النهاية إحساسًا بالظلم تجاه أنفسهم وكذلك تجاه الشخص الآخر الذي يشاركهم هذه العلاقة.
ظلم الذات والشريك الآخر: عواقب الزواج القسري لمجتمع الميم عين
أحد أكبر الأضرار التي تنجم عن الضغط الاجتماعي والشرعي على أفراد مجتمع الميم عين في العراق للزواج من شخص مغاير جندريًا هو الظلم الذي يقع على الجميع: أولاً على الشخص نفسه، وثانيًا على شريك الزواج.
1. ظلم الفرد ذاته
الشخص الذي ينتمي إلى مجتمع الميم عين ويُجبر على الزواج بشخص من الجنس الآخر ليكون مقبولًا اجتماعيًا قد يعيش في حالة من الازدواجية العاطفية والجندرية. هذا الشخص يُجبر على التوافق مع دور "الزوج" أو "الزوجة" دون أن يكون هذا الدور طبيعيًا أو مريحًا له. هذا يؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية مثل القلق والاكتئاب، بل ويمكن أن يؤدي إلى الخوف من فقدان الهويات الذاتية تحت ضغط التوقعات المجتمعية.
2. ظلم الشخص الآخر
الظلم لا يقتصر على الأفراد من مجتمع الميم عين فقط، بل يشمل أيضًا شريك الزواج الذي يُجبر على الارتباط بشخص لا يشترك معه في نفس القيم أو الهوية الجندرية. هذه العلاقات غالبًا ما تكون غير متوازنة، حيث يفتقر كلا الطرفين إلى التواصل الصريح والصادق حول احتياجاتهم العاطفية والجنسية. وقد يؤدي ذلك إلى خيانة غير متعمدة أو انفصال عاطفي، حيث لا يكون هناك تناغم حقيقي بين الطرفين.
هل يمكن أن يحدث تغيير في منظومة الزواج التقليدي؟
قد يبدو من الصعب تغيير مفاهيم الزواج التقليدي في العراق بالنظر إلى التاريخ الطويل من التقاليد والعادات الراسخة التي تحكم العلاقات الاجتماعية. ولكن مع تطور الوعي الاجتماعي والزيادة في الحوارات حول قضايا الجندر والمساواة، هناك فرصة حقيقية لإحداث تغيير تدريجي في هذه المنظومة.
أحد أولى الخطوات نحو التغيير هو نشر الوعي حول التنوع الجندري داخل المجتمع العراقي. هناك حاجة ملحة لفهم أن الجندر ليس مجرد ثنائية ثابتة بين الذكر والأنثى، بل هو طيف واسع يشمل أشخاصًا يتنقلون بين الهويات الجندرية المختلفة. التوعية والتعليم حول هذه المواضيع يمكن أن يساعد في تخفيف الضغط على الأفراد في مجتمع الميم عين الذين يُجبرون على الزواج وفقًا للمفاهيم التقليدية. 
وفيما يتعلق بالمفاهيم التقليدية للزواج، يمكن أن يكون هناك نقاش مجتمعي حول كيفية تعديل هذه المفاهيم ليكون الزواج مبني على رغبة الشخص وليس برغبة الاسرة او المجتمع، و ان لا يكون قسريا او اجبارا أو حتى تسهيل قبول العلاقات التي لا تتبع النمط التقليدي. بدلاً من التمسك بالزواج كأداة وحيدة لبناء الأسرة، يمكن التفكير في أنماط جديدة من الشراكة التي تعكس التنوع الاجتماعي والجندري.
كما إن تعزيز الدعم الأسري هو أحد العوامل التي يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على الأفراد من مجتمع الميم عين. إذا كانت العائلات والمجتمعات أكثر قبولًا لفكرة أن أولادهم يمكن أن يكون لهم هويات جندرية متنوعة، فسيكون من الأسهل عليهم اتخاذ قراراتهم في الحياة العاطفية دون الخوف من الرفض الاجتماعي. هذا الدعم سيعزز من قدرة الأفراد على اتخاذ قرارات حرة تتماشى مع هويتهم الشخصية.
خاتمة
في النهاية، يمكن القول إن التغيير في منظومة الزواج العراقي التقليدي يتطلب جهودًا مجتمعية كبيرة تشمل تغيير التصورات الاجتماعية حول الجندر والعلاقات. يجب أن نتفهم أن الزواج ليس بالضرورة أن يكون بين رجل وامرأة فقط، بل هو خيار يعكس الحق في الحب والقبول. وإذا تم القضاء على الضغط الاجتماعي والعائلي الذي يفرض على الأفراد من مجتمع الميم عين الزواج التقليدي، سنتمكن من بناء مجتمع أكثر قبولًا وتفهمًا، ويعيش فيه الجميع بسلام مع هويتهم الجندرية.

​
0 Comments
<<Previous
    أرشيف


    March 2025
    February 2025
    October 2024
    July 2024
    June 2024
    May 2024
    April 2024
    February 2024
    January 2024
    May 2023
    February 2023
    November 2022
    August 2022
    July 2022
    May 2022
    March 2022
    February 2022
    December 2021
    September 2021
    August 2021
    July 2021
    June 2021
    May 2021
    April 2021
    March 2021
    February 2021
    January 2021
    December 2020
    November 2020
    October 2020
    September 2020
    October 2018

    بلۆگەکە بە زمانی کوردی
    Blog in English
Picture
  • الصفحة الرئيسية