|
بالنسبة للعديد من الكوير العراقيين، اللجوء ليس قرارًا يُتخذ بدافع الرغبة في الهجرة أو تحسين مستوى المعيشة، بل نتيجة مباشرة للخوف وانعدام الأمان. التهديد بالعنف، الاضطهاد الأسري، الابتزاز، والملاحقة الاجتماعية والقانونية تجعل البقاء في العراق مستحيلًا في كثير من الحالات. ومع ذلك، فإن مغادرة العراق لا تعني الوصول إلى الأمان، بل غالبًا بداية مرحلة أخرى من المعاناة.
ضعف جواز السفر العراقي يشكّل عائقًا أساسيًا أمام الوصول إلى دول توفر أنظمة لجوء واضحة أو حماية قانونية فعلية. أغلب الدول الآمنة تتطلب تأشيرات يصعب الحصول عليها، أو شروطًا مالية ووثائقية لا يمكن للكثيرين توفيرها. لهذا السبب، يجد معظم الكوير العراقيين أنفسهم مضطرين إلى التوجه نحو دول مجاورة، باعتبارها الخيار الوحيد الممكن، رغم معرفتهم المسبقة بأنها ليست نهاية الطريق. تقول زينب مالك، وهي لاجئة عراقية كويرية من عائلة ذات خلفية دينية: "في الخطوة الاولى التي خطوتها على أرض بيروت شعرت بأنني أقف وحيدة في عالم لا أُعلم فيه كيفية حماية نفسي عند تواصلي مع منظمة لمساعدتي في العثور على مكان آمن ، تم دلي على شخص من مجتمع العين ميم وثقت بانه سيتم مساعدتي من موضع عطف وانتماء لكوننا نواجه نفس التحديات لكن باماكن مختلفة لأفاجئ باستغلالي وتخويفي من قبل افراد مجتمعي نفسهم لأجل بعض عشرات الدولارات التي انا بأمس الحاجة اليها كذلك تواصلت مع منظمات للدعم النفسي شريكة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين شرحت لهم وضعي بالتفصيل ، الخوف والخطر الذي يهدد حياتي من اكتشاف عائلتي لمكاني ، اعراض امراضي النفسية التي لم استطع معالجتها في بيئتي السابقة ليتم اخباري بكل بساطة بانهم يستقبلون ويعالجون حالات محددة ، لم أفهم ماهي الحالات المحددة ؟ شعرت بان معاناتي لم تكن كافية ليتم اخذها بجدية !" دول مجاورة… ومساحة قانونية رمادية الوصول إلى دولة مجاورة لا يعني الدخول في نظام لجوء وطني يحمي اللاجئين، بل غالبًا التواجد في وضع قانوني مؤقت وغير مستقر. بعد الدخول، يبدأ الكوير العراقيون بالتقديم على اللجوء عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وهي عملية قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى أي نتيجة ملموسة. تقول هَڤِن، وهي ترانس كوير غير ثنائية عراقية، وطالبة لجوء في دولة انتظار : "هربت من العراق بسبب الخطر على الناس العابرين والكوير، وبسبب خوفي من عائلتي إذا اكتشفوا حقيقتي. حاليًا أنا بدون إقامة قانونية. لا استطيع العمل بشكل رسمي، وحتى العمل غير الرسمي صعب جدًا ان احصل عليه بسبب شكلي الكويري. لا توجد أي حماية حقيقية استطيع ان أعتمد عليها، ولا حياة مستقرة. أعيش فقط على تبرعات الأصدقاء والمساعدة بعض المنظمات. كل يوم أفكر متى تقوم الامم المتحدة بتحريك اجراءات ملفي؟ متى استططع ان اعيش في دول توفر لي الحماية والحقوق والتقبل؟ وضعي النفسي يتجه نحو الاسوء مع مرور الوقت، والانتظار اصبح صعبا جدا. كل ما اريده هو قبول ملفي وإعادة توطيني في دولة آمنة. أريد ان أعيش بكرامة وأمان بدل الخوف الدائم، الخوف من أن عائلتي قد تصل لي بأي لحظة، أو أني يتم ترحيلي للعراق. وخوفي هذا واقعي وحقيقي. والدتي تواصلت معي عن طريق البريد الالكتروني وأكدت لي إن العائلة تبرأت مني، وإنه اخواني إذا وجدوني سيقتلوني. اعيش حاليا في بلد ليس آمن إلي كترانس كويرية. هناك احتجاجات ضد مجتمع الميم عين، قوانين دينية صارمة، وشرطة تلاحق أي شكوك حول اي تجمعات كويرية وتحاول سجنهم" خلال هذه الفترة، يعيش الكثيرون في مساحة قانونية رمادية. لا هم قادرون على العودة إلى العراق بسبب الخطر الحقيقي عليهم، ولا هم قادرون على الاستقرار في بلد اللجوء المؤقت. الإقامة تكون محدودة أو منعدمة، وتجديدها صعب أو مكلف، وأي خطأ إداري قد يؤدي إلى الاحتجاز أو الترحيل. تقول اليكس وهي نون باينري عراقية لاجئة في لبنان " اعتقدت بان الوضع سيكون افضل ولو قليلا في لبنان ولكن الواقع كان مختلف عما توقعت، فالناس ينظرون لنا بنفس النظرات، ويقولون لنا نفس الكلام في الشارع، حتى في افضل مناطق لبنان واكثرهن امانا، فحتى مالك الشقة التي نسكن فيها نحاول تجنب اللقاء به لكي لا يرانا، والذي قد يعرضنا للطرد او الاستغلال بسبب مظهرنا" الحياة بدون حماية قانونية غياب الوضع القانوني الواضح يعني غياب الحماية. الكوير العراقيون في دول العبور غالبًا لا يملكون حق العمل الرسمي، ما يدفعهم إلى الاعتماد على أعمال غير مستقرة أو غير رسمية، أو على مساعدات محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. هذا الوضع يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال، سواء في العمل أو السكن أو حتى في الوصول إلى الخدمات الصحية. إضافة إلى ذلك، لا توفّر هذه الدول غالبًا آليات فعالة للحماية من العنف أو التمييز، خصوصًا عندما تكون الهوية الجندرية أو التوجه الجنسي سببًا مباشرًا للاستهداف. كثيرون يتجنبون التبليغ عن الانتهاكات خوفًا من العواقب القانونية أو من الكشف عن هويتهم يقول هايدن، وهو كوير عراقي لاجئ في لبنان " بسبب وضعنا القانون الهش الكل يحاول استغلالنا حتى المنظمات التي تساعد اللاجئين او افراد مجتمع الميم عين، او يحاولون النصب علينا واخذ اموالنا خصوصا ونحن لا نعرف اي شيء في هذا البلد الجديد، عند وصولي الى لبنان في الايام الاولى تم اخذ 100$ مني بحجة مساعدتي في الوقت الذي لم احصل فيه على شيء، وكنت ارى هذا بشكل مستمر فالغالبية يحاولون الحصول على شيء منا او استغلالنا" عبء الانتظار الطويل الانتظار هو السمة الأبرز في تجربة اللجوء الكويري العراقي. انتظار المقابلة الأولى، انتظار القرار، انتظار أي تحديث على الملف. هذا الانتظار لا يكون محايدًا، بل محمّلًا بالقلق وعدم اليقين. الحياة تتوقف مؤقتًا، والخطط المستقبلية تصبح مستحيلة، وكل شيء مرتبط بقرار قد يأتي أو لا يأتي. الضغط النفسي خلال هذه المرحلة شديد. العزلة الاجتماعية، الشعور بعدم الاستقرار، والخوف المستمر من المستقبل تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية. بالنسبة للكثيرين، تكون هذه المرحلة الأصعب، لأنها تجمع بين الهروب من خطر حقيقي وعدم الوصول بعد إلى مكان آمن. إخفاء الهوية مرة أخرى المفارقة المؤلمة أن العديد من الكوير العراقيين يُجبرون على إخفاء هويتهم مجددًا في دول العبور. فالإفصاح عن التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية قد يؤدي إلى مضايقات، عنف، أو مشاكل قانونية. الهروب من القمع لا يعني بالضرورة التحرر منه، بل أحيانًا إعادة إنتاجه بشكل مختلف. نهاية غير قريبة إعادة التوطين في بلد آمن تبقى المرحلة الأخيرة والأكثر انتظارًا، لكنها ليست مسارًا سريعًا أو مضمونًا. تتطلب إجراءات طويلة، مقابلات متعددة، وتدقيقًا مستمرًا. البعض ينتظر سنوات قبل الوصول إلى هذه المرحلة، والبعض الآخر قد لا يصل إليها أبدًا. بالنسبة للكوير العراقيين، اللجوء ليس رحلة من مكان إلى آخر، بل مسار طويل من التعلّق المؤقت، العيش في المجهول، ومحاولة الاستمرار رغم هشاشة الظروف. هو واقع يعيشه آلاف الأشخاص بصمت، خارج العناوين، في دول لا تُعتبر وطنًا ولا ملاذًا نهائيا
0 Comments
Leave a Reply. |
أرشيف
March 2025
|